5- كتاب حقوق النبي على أمته في ضوء الكتاب والسنة [علامات وفضل محبته]
الفصل الثاني:علامات محبته صلى الله عليه وسلم و الثواب المترتب عليها
المبحث الأول: علامات محبته صلى الله عليه وسلم:
تمهيد:
سن الشارع الكريم علامات ودلائل لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، شرعت ليتسنى من خلالها معرفة من يصدق في دعوى محبته للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فكل دعوى لابد لها من برهان، يدل على صدقها قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[1].
ومن أجل ذلك فإن على كل مسلم أن يكون على علم بتلك الدلائل والعلامات، وأن يعمل بها ويحققها، وأن لا يرغب عنها أو يستبدل بها أمورا أخرى مبتدعة لم يرد فيها دليل من الشرع.
فبتلك العلامات والدلائل تظهر حقيقة المحبة، فمتى ما كان التحقيق لتلك العلامات أكبر كانت درجة المحبة أرفع وأعظم والعكس بالعكس.
ولذلك تجد أن الصادق في محبته للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تظهر عليه تلك العلامات والدلائل وتراه يسعى جاهدا إلى تحقيقها حتى ينال بذلك منزلة عظيمة من منازل الإيمان.
ومن أهم تلك العلامات ما يلي:
المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم.
فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء آثاره واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في العسر واليسر والمنشط والمكره، هو أول علامات محبته صلى الله عليه وسلم، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم هو من تظهر عليه هذه العلامة فيكون متبعا للرسول صلى
ظاهرا وباطنا ومؤثرا لموافقته في مراده بحيث يكون فعله وقوله تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غوش لأحد فافعل”، ثم قال لي: “يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة”[2].
فالمحب للرسول صلى الله عليه وسلم هو من حرص على التمسك بسنته وإحيائها وذلك باستعمال السنة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي في الأقوال والأفعال، وتقديم ذلك على هوى النفس وملذاتها كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا}[3].
فإحياء السنة واتباع المصطفى دليل محبته كما هو دليل محبة الله عز وجل، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه} فهذه الآية نزلت عندما ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية.
وعلى هذا فإن محبة الله ورسوله تقتضي فعل المحبوبات وترك المكروهات، ولا يتصور أن يكون الشخص محبا لله ورسوله وهو معرض عن اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن أجل ذلك فإن الناس يتفاضلون في درجات محبتهم تفاضلا عظيما، فمن كان منهم أعظم نصيبا في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بسنته فهو أعظم درجة عند الله، ومن نقصت درجة اتباعه فلا شك أن ذلك سيؤثر على المحبة ويضعف درجتها.
وهذا لا يعني أن المخالفة لشيء من السنة ينافي المحبة منافاة كلية، فالمخالفة إذا لم تصل إلى درجة الكفر فهي تنقص من المحبة ولكن لا تخرج صاحبها عن دائرتها والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي لعن شارب الخمر وقال ما أكثر ما يؤتى به، فقال صلى الله عليه وسلم: “لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله”. فدل الحديث على أن وقوع المخالفة حتى وإن كانت كبيرة من الكبائر لا يعني ذلك انتفاء وجود محبة الله ورسوله في ذلك الشخص المخالف. والواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه.
فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا.
والواجب عليه كذلك أن يكره ما كرهه الله ورسوله كراهة توجب الكف عما حرم عليه منه.
فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كره تنزيها كان ذلك فضلا[4].
“فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة”[5].
المطلب الثاني: من علامات محبته الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم.
ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ودوام الذكر سبب لدوام المحبة وزيادتها ونمائها.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله في ضمن تعداده للفوائد والثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: “أنها سبب لدوام محبته للرسول صلى الله عليه وسلم وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه. وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه”[6].
والمقصود بالذكر هنا الذكر المشروع وعلى رأسه الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[7].
وامتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا” الحديث[8].
وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: “ما شئت”. قلت: الربع؟، قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير”. قلت: النصف؟، قال: “ما شئت، و إن زدت فهو خير”. قلت: الثلثين؟، قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير”. قال: أجعل لك صلاتي كلها. قال: “إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك”[9].
قال ابن القيم: “سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية رضي الله عنه عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: “هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها: أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك، لأن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وكفر له ذنبه هذا معنى كلامه”[10].
والشاهد من الحديث أن من محبته صلى الله عليه وسلم مداومة الصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما هو أهل له من الأوصاف والخصال الحميدة التي وصف بها صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث الآخر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي”[11].
فذكره شُرع لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه[12].
ويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه وما وهبه الله من الصفات والأخلاق والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك، ليزدادوا إيمانا ومحبة له صلى الله عليه وسلم ولكي يتأسوا به. ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا وشعرًا مادام أن ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم.
نصوص القرآن والسنة، كأن يتجاوز به حدود بشريته فيصرف له شيء من الأمور الخاصة بالله عز وجل كما فعل بعض الغلاة في أشعارهم ومدائحهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك فإن من الأمور المنهي عنها الذكر المقترن بالغناء وأدوات اللهو والطرب والرقص، وهذا الذكر البدعي هو الذي عليه حال أرباب الطرق والتصوف، وقد وافقهم على ذلك كثير من عوام الناس ظنا منهم أن فعل مثل هذه الأمور هو الطريق إلى تحقيق محبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حقيقة فعله يعد محادة لله ورسوله فقد تبرأ صلى الله عليه وسلم ممن أحدث في الدين حيث قال: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”.
وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الباب الرابع بإذن الله.
المطلب الثالث: من علامات محبته صلى الله عليه وسلم تمني رؤيته والشوق إلى لقائه.
ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم محبة رؤيته والشوق إلى لقائه وتمني ذلك ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل. وهذه العلامة نص عليها قوله صلى الله عليه وسلم: “من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله”[13]. فهو صلى الله عليه وسلم وصف أهل هذه العلامة من أمته التي ستأتي من بعده بأنهم من أشد الناس محبة له صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمنية قدرها حق قدرها أهل الإيمان الذين ترسخت في قلوبهم محبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنهم من شدة محبتهم له صلى الله عليه وسلم أن جالت في خواطرهم وأحاسيسهم هذه الأمنية العظيمة حتى إن الواحد منهم لا يبالي أن يدفع ثمنا لهذه الأمنية العزيزة على نفسه ما عنده من الأهل والمال ليرى النبي صلى الله عليه وسلم، ولسان حالهم ومقالهم يقول مع ذلك كله ما أعظم الأمنية وما أرخص الثمن.
فهذه علامة من علامات محبته يتصف بها أهل الإيمان الصادق الراسخ الذين آمنوا بوجوب تقديم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبة الولد والوالد والناس أجمعين بل على كل أمر من أمور الدنيا ومظاهرها فيا لها من نفوس سمت وسما بها إيمانها لمثل هذا المطلب وهذه الأمنية العزيزة على قلب كل مؤمن عرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم وحقه وعظيم منزلته.
فجدير بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لها بأنها أشد القلوب محبة له
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لإن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله”[14].
ولقد كانت هذه السمة وهي الشوق إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم ورؤيته موجودة في الصحابة رضوان الله عليهم ويشهد لذلك ما جاء في حديث الأشعريين أنهم عند قدومهم إلى المدينة كانوا يرتجزون فيقولون:
غدا نلقى الأحبة محمد وحزبه[15]
وروي أن بلالا رضي الله عنه لما حضرته الوفاة، نادت امرأته واحزناه. فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه[16].
وقد روي مثل ذلك عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين[17].
المطلب الرابع: من علامات محبته صلى الله عليه وسلم النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فمن علامات محبته صلى الله عليه وسلم: المناصحة لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
قال تعالى: {وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[18].
قال القرطبي[19]: “قوله تعالى: {إِذَا نَصَحُوا} النصح: إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح… ونصح الشيء: إذا خلص ونصح له القول: أي أخلصه له”[20].
وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع. ويقال: نصحته، ونصحت له[21].
قال الخطابي: “النصاحة: إخلاص العمل. والناصح: الخالص من كل شيء، ويقال: نصحت العسل إذا صفيتها”[22].
وعن تميم الداري[23] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الدين النصيحة”. قلنا: لمن؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”[24]. فقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الدين النصيحة” يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل المشهور وسمى ذلك كله دينا. فالنصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا[25].
قال الإمام محمد بن نصر المروزي[26]: “قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة: هو عناية القلب للمنصوح له من كان.
وهي على وجهين: أحدهما: فرض. والآخر: نافلة.
فالنصيحة المفترضة لله: هي شدة العناية من الناصح، باتباع محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرم الله.
المزيد